الغزالي
27
التبر المسبوك في نصيحة الملوك
يطوف بيده ليصافح بها الفضيل ، فلمّا وقعت يده عليه قال : الويل لهذه اليد الناعمة إن لم تنج من العذاب في القيامة ! ثم قال له : يا أمير المؤمنين استعد لجواب اللّه تعالى ، فإنه يوقفك مع كل واحد مسلم على حدة يطلب منك إنصافك إيّاه . فبكى هارون الرشيد بكاء شديدا وضمّه إلى صدره ؛ فقال له العباس : مهلا يا فضيل فقد قتلت أمير المؤمنين . فقال الفضيل : يا هامان أنت وقومك أهلكتموه ، وتقول لي مهلا فقد قتلته ! فقال الرشيد للعباس : ما جعلك هامان إلّا وجعلني فرعون . ثم وضع الرشيد بين يديه ألف دينار وقال له : هذه من وجه حلال من صداق أمي وميراثها . فقال له الفضيل : أنا آمرك أن ترفع يديك عمّا فيها وتعود إلى خالقك وأنت تلقيه إليّ . ولم يقبلها ، وخرج من عنده . نكتة : سأل عمر بن عبد العزيز محمد بن كعب القرظي فقال : صف لي العدل ! فقال : كل مسلم أكبر منك سنّا فكن له ولدا ، ومن كان أصغر منك فكن له أبا ، ومن كان مثلك فكن له أخا ، وعاقب كل مجرم على قدر جرمه ، وإيّاك أن تضرب مسلما سوطا واحدا على حقد منك فإن ذلك يصيرك إلى النار . نكتة : حضر بعض الزهّاد بين يدي خليفة ، فقال له : عظني ! فقال : يا أمير المؤمنين إني سافرت الصين ، وكان ملك الصين قد أصابه الصمم وذهب سمعه ، فسمعته يقول يوما وهو يبكي : واللّه ما أبكي لزوال سمعي وإنّما أبكي لمظلوم يقف ببابي يستغيث فلا أسمع استغاثته ، ولكن الشكر للّه إذ بصري سالم . وأمر مناديا ينادي : ألا كل من كانت له ظلامة فليلبس ثوبا أحمر . فكان يركب الفيل فكل من رأى عليه ثوبا أحمر دعاه واستمع شكواه وأنصفه من خصمائه . فانظر يا أمير المؤمنين إلى شفقة ذلك الكافر على عباد اللّه وأنت مؤمن من أهل بيت النبوة ، فانظر كيف تريد أن تكون شفقتك على رعيتك . نكتة أخرى : حضر أبو قلابة مجلس عمر بن عبد العزيز فقال له : عظني ! قال : من عهد آدم إلى وقتنا هذا لم يبق خليفة سواك . فقال : زدني ! فقال : أنت أول خليفة يموت ؟ فقال : زدني ! فقال : إن كان اللّه معك فممّن تخاف ، وإن لم يكن معك فإلى من تلتجئ . قال : حسبي ما قلت . حكمة : كان سليمان بن عبد الملك خليفة فتفكّر يوما وقال : قد تنعّمت في الدّنيا طويلا فكيف يكون حالي في الآخرة ؟ وأتى إلى أبي حازم ، وكان عالم أهل زمانه وزاهد أوانه ، وقال : أنفذ لي شيئا من قوتك الذي تفطر عليه . فأنفذ له قليلا من نخالة وقد شواها ، فقال : هذا فطوري . فلمّا رأى سليمان ذلك بكى وأثر في قلبه